معنى الحكمة
- مريم الصّفدي

- Feb 1, 2024
- 2 min read
أفكّر كثيرًا في معنى "الحكمة" وفي معنى أن يكون الإنسان "حكيمًا."
ويلفتني أنّنا قد نصفُ مواقفَ معيّنةً بالغباء أو بالجهل أو بالتسرّع، ومواقفَ أخرى ب"انعدامِ الحكمة". هناك إذ تكون أفعالنا في ظاهرِها ومبدأها خلوةً من الخطأ، لكنّك تجدها حين تقلّبُ النظرَ في إرهاصاتها وأبعادها ونتائجها، وفي قلّة التفكير فيها قبلَ إتيانها، غيرَ حكيمة.
الحكمةُ نتاجٌ نادرٌ عزيز، يُمنَحه من يعرفُ أنّها "ضالّة"، يسعى في اكتسابها سعيَ الفقيرِ في رزقه، ويكدح لنيلها كدحَ من يدرك ضآلةَ حجم خبرته وعلمه في هذه الحياة. وحين يقول الله تعالى إنّ "من يؤتَ الحكمةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا"، فإنّ المعنى يُنبيك عن أنّ الذي حُرمها حرُمَ شيئًا لا ينفعُ دونه ذكاءٌ ولا دهاءٌ ولا قوّةٌ ولا سرعة بديهة، ولا طلاقةُ أو سلاطةُ لسان.
والحكمةُ لا تُنال ممّن يدّعي العلمَ والفهمَ ثم لا يتصبّرُ على السماع والنّظر، بل تعطى للذي يتأدّب ليستزيد، ويصمتُ لينصِت، ويتروّى قبل أن يتكلّم، ويحاسبُ نفسه قبل محاسبةِ غيره، ثمّ يُخرجُ نفسه من دائرتها الأنانية الضيّقة ليتأمّلَ في حاجات الناس وأحوالهم وغاياتهم، فيفهمَهم ويعطف عليهم، وحين يتجلّد، فيدرّبُ نفسه العجولةَ المضطربةَ غيرَ المزكّاةِ على الصّبرِ للنظرِ في مآلاتِ الأمور بلا استحقاقٍ ولا نزَق، وبلا إسراعٍ إلى التصرّف والتدخّل، وعلى الدقةِ في معرفةِ حجمِ ما يستطيعُ تغييره، وما يقعُ أو لا يقعُ في دائرةِ تأثيره، وعلى التصالح مع كثرة "ما لا يحيطُ به خبرًا".
وفي معناها الأدقّ: الحكمة خلاصةٌ لزخمٍ كثيفٍ من التجربة، مجموعةً إلى إرادةٍ صادقةٍ ونيّةٍ مخلصةٍ للفهم والتبصّر، وقبل هذا كلّه: توفيقٌ كبيرٌ من الله، لا يعطاهُ إلا قلّة من الصادقين الذين لا يعجَلون على أن يفهموا، ولا يعاملون أفهامَهم على أنّها حقائقُ مطلقةٌ عن الذات والبشر والوجود، إنّما يُسلمونَ أرواحهم وعقولَهم لرحلةٍ طويلةٍ من الانقيادِ لأمر الله الكبير وعلمِه المطلق، والتفكّر وإرجاع البصر في كلّ ما ندري، وما لا ندري.
"يؤتي الحكمةَ من يشاء"، فاللهم اجعلنا منهم ولا تحرمنا خيرَها، إنّك أنت الحكيمُ العليم.






Comments