تسعٌ وعشرون
- مريم الصّفدي

- Feb 17
- 3 min read
-
اليوم عيدُ ميلادي التاسع والعشرون. وقد تذكرت -وأنا أتأمل يدَ إبراهيم الصغيرة صباحًا- مشهدًا من طفولتي كان غائبًا عن ذهني سنواتٍ طويلةً، وكأنما دُفن تحت أكوامٍ من التفاصيل والانشغال، ثم نُفثَ عنه فجأةً غبار الأيام فعادَ يلمع في سطح ذاكرتي.
تذكرتُ أني كنت في سن السابعة أو الثامنة، أقضي ساعاتٍ طوالًا أمام شاشة الحاسوب الكبير القابع في منتصف ممر المنزل، أقوم بنشاطٍ معقد خطير، لا أعرف كيف بدأ شغفي به، وأصبّ فيه كامل تركيزي وطاقتي.
كنت أفتح برنامج الرسام، بمكوناته البسيطة وألوانه المحدودة -في ذلك الوقت-. وأبدأ برسم شخصيات مختلفة: أم، أب، ولد، بنت، معلمة، بائع، سائق تكسي، إلخ. أقضي ساعةً أو ساعتين في الرسم، أتوقف حين يؤلمني حاجباي وتدمع عيناي من شدة التركيز في الشاشة، ويستغيث رسغ يدي من إحكامه الطويل على "الفأرة" ههههه، وأحفظ الملف.
أعود بعد ساعات. أفتح ملفًا آخر. أرسم فيه مكانًا ما. حديقة تقليديةً مثلًا، بعشب أخضرَ وسماءٍ زرقاء وغيوم، ونصفِ شمسٍ في أعلى الورقة على اليمين. وأحفظ الملف.
ثم أفتح ملفًا ثالثًا. أرسم فيه جماداتٍ ونباتاتٍ وحيواناتٍ عشوائية: قطة، كرة سلة، وردة، سرير، فرشاة أسنان، إلخ. وأحفظ الملف.
كنتُ أعرف ما أريد من هذه الملفات. أريد لما في داخلها أن يعيش. أريد تحريكها وصناعةَ عدد لا نهائي من المشاهد والقصص التي تحوي كل هذه الرسومات، ضمن مجموعةٍ ضخمة من التباديل والتوافيق: فمرةً سيكون بطل القصة الولد ومعه الأب والبائع، في محلِ قرطاسية، وهنا أستخدم كرة السلة. ومرةً ستكون البطلةُ أنا، ومعي معلمتي، في الصف داخل المدرسة، وستكون معي قطة. لماذا ستكون معي قطة في الصف؟ لا أعرف. لكننا سنخترع القصة من هناك.
الآن، كيف كنت أدمج كل هذه الملفات في قصة مصوّرة -ومتحركة-؟
أذكركم أنني أتحدث عن عام ٢٠٠٤، أو ٢٠٠٥. حين كانت الأدوات والبرامج محدودةً لكن دماغ الطفلة فيَّ لم يكن كذلك.
Power Point.
أنقل إليه صور الأماكن أولًا. أثبتها في الخلفية كي لا تتحرك. ثم أنقل إليها موجودات القصة. وأحركها هناك بالحركات البسيطة القليلة التي كانت على باور بوينت في ذلك الوقت. أحرك الفتى من اتجاهه الأفقي إلى اتجاه عموديّ، لأوضّح أنه استيقظ من النوم. ثم أحركه باتجاه فرشاة الأسنان، وأحرك فرشاة الأسنان أمام فمه في حركة متكررة. ثم أنقله إلى شريحةٍ أخرى بثيابٍ جديدة، أسيّره باتجاه الكرة، أحرك الكرة في رمية نصف دائرية باتجاه المرمى. أرسمُ المرمى نفسه مرةً أخرى بشباكٍ معوجةٍ قليلًا؛ كي أوضح أن الفتى أحرزَ هدفًا فيه. كل الحركات مدروسة ومحسوبة ومؤقتة بخط زمني منطقي قصصيّ منظم.
هكذا إلى شريحةٍ أخرى ومشهدٍ آخر. وكنت أكتب الحوارات بين الشخصيات بالفصحى، في فقاعاتٍ بيضاءَ فوق رأس كل شخصية. وأكتب عنوان القصة في شريحةٍ في البداية مع عبارة "تأليف ورسم: مريم الصفدي"، ثم أختمُ العرضَ بشكرٍ حارٍ للقارئ والمشاهِد، تحيط به قلوبٌ ونجومٌ وفراشات، وأصواتُ تصفيق مع الشريحةِ الأخيرة، لإبداعي الرهيب.
يا إلهي كم كان يستغرق هذا النشاط مني وقتًا وتركيزًا وتفكيرًا. وأحيانًا، كنت أتجاهل ألم رسغي خلال الرسم والتحريك، وأستمرّ بالعمل لأني لا أستطيع الانتظار كي أنهيَ القصة. وتخطر لي فكرةٌ جديدة على طاولة الغداء فأنهي طعامي لأركض إلى الحاسوب مرةً أخرى، وأضيفَ الفكرة في شريحةٍ جديدة.
وأحيانًا ثانية، كان يقوم أحد إخوتي -بلا ذكرِ أسماء- بمسح أحد الملفات أو بعضها -أو كلّها- من "سطح المكتب"، فأضطر إلى إعادة رسم بعضِ الرسومات من جديد، بتفاصيلَ جديدة، لأخبئها في ملفٍ سريّ، في مكان لا يصل إليه المتطفلون والمخرّبون والمندسّون.
لا أدري متى توفقت عن تلك الهواية، ومتى رسمتُ القصةَ الأخيرة بتلك الطريقة المعقدة. وأتمنى لو أعرف أين اختفى كل شيء، وهل يمكن أن أرى إنجازاتي الصغيرة، مرةً أخيرة؟
لا أدري.
لكنني كبرتُ ولم أتوقف عن محاولةِ الإمساك بمشهد عصفورٍ على غصنٍ ضعيف، وبمشهد الغسق، والليلِ بلا صوت، أحاول حَبسها كلها في ملفات متفرقة داخل ثنايا عقلي.
وكل صباحٍ من مراهقتي كنت أتمنى أن يتوقف الزمن عند اللحظات التي أنتظر فيها باص المدرسة قبل يومِ امتحانٍ نهائيّ، وأن أحتفظ بلحظات الهدوء، والبردِ الخفيف، والندى على أطراف الأوراق الخضراء. مشهدٌ كان يخنقني بالتأثر، ويجعلني أحن إلى أشياءَ لا أعرف ماهيتها.
كبرتُ وأنا أحدث نفسي، وأروي لها بصوتٍ خفيضٍ -أو بلا صوتٍ- كل شيء.
كنت وما زلتُ أخشى النسيان، ويقتلني أن يقتلَ الصمتُ وعدمُ الاكتراثِ شيئًا أحسستُ به أو أحببته، وأتمنى في كل مرة يهزني فيها موقف أو مشهد أن تُخلق بين يدي ورقة وقلمٌ من العدمِ، لأدونهما في لحظتها، وأمزجَ الخيال بالواقعِ في حبكةٍ لذيذةٍ لا يعرفها سواي.
الآنَ أنظر إلى يدِ إبراهيمَ الصغيرة التي اكتشفَ وجودها منذ أيام. يتأملها وينقضّ عليها ويلتهمها بنهم. وأرجو له من الدنيا أن يعرف منها ما يريد وما يحبّ. كما كنت أعرف لشخصياتي ورسوماتي الكثيرة ما أريد. أن يتشبّث بالجمال والبساطة والألوان والأصوات، ويميزها ويحفظها ويؤلف فيما بينها. أرجو له أن يكونَ الطفلَ الذي يتذكره في شبابه، فلا يضطر إلى أن يشتاقَ إليه، أو يشفقَ عليه. لأنه لم يتخلّى يومًا عن روح الطفل فيه، ولم ينتزعها منه أحد.
وهذه يا أصدقائي، أمنيتي الصغيرة، قبل أن أيمّم وجهي شطرَ الثلاثين.






Comments