مباهج وشجون العمل - آلان دو بوتون
- مريم الصّفدي

- Aug 16
- 2 min read
وقعتُ على هذا الكتاب قبل أيامٍ قليلة من عودتي إلى العمل بعد إجازة الأمومة، فكان رحلةً خفيفة الظلّ في عالم العمل وأسئلته، ومعناه في حيواتنا المعاصرة.
ينطلق بوتون في "مباهج وشجون العمل" من سؤال أساسي: كيف أصبح العمل في العصر الحديث أكثر من مجرّد وسيلة لكسب المال؟
ضمن سردٍ مطوّل وتفصيليّ لعددٍ من المهن يقعُ في ٣٠٠ صفحة، يجيب بوتون عن السؤال إجابةً موزعة بين فصوله: العمل اليوم مرتبطٌ بصورة الإنسان عن نفسه ومكانته، وبحثه عن السعادة، والإشباع، والانتماء، وتحقيق الذات، والشغف والمعنى، لا عن المال فقط. ورغم ذلك نقف أمام مفارقةٍ مهمة، وهي أننا نبحث جاهدين عن المعنى في العمل، إلا أن جزءًا كبيرًا من آلية سير العمل الحديث لا بد من أن يكون رتيبًا أو خلوًا من المعنى بحد ذاته، كي تسير عجلة الحياة، وتُمنَح أعمالٌ أخرى معناها العميق.
لا يسير الكتاب في نهج أطروحة فلسفيّة متماسكة، وإنما يأخذك في جولة طويلة ومتشعبة -ومملّة في بعض المواضع- بين مجموعة من القطاعات المهنية، ويجعل كل مهنة مدخلًا للتفكير في طبيعة سير العمل، فمن قطاعات الخدمات اللوجستية، إلى مصانع البسكويت المتخصصة، إلى عالمِ صناعة الصواريخ والأقمار الصناعية، والمحاسبة والاستشارات المهنية، وإدارات شبكات الطيران وخطوط الكهرباء، يريد بوتون أن يوصل إلينا تصوراتٍ عن العملِ مُختصرها: أنّ العالمَ الحديث يجبرنا على التسرع في النظر إلى المنتج النهائي للمهن، ولا يمنحنا فرصةً للتأمل في التعقيد المختبئ خلف الأعمال التي تبدو هامشيّة. يُفقدنا ذلك احترامَ عاديّة الأشياء وبساطتها، ويؤثر في طبيعة المكانة والاحترام الاجتماعيين اللذين يمنحهما المجتمع لبعض الوظائف.
يعرّج الكتاب كذلك على العلاقة بين الطفولة وتكوين الشخصية والاختيارات المهنية؛ فالوظيفة انعكاسٌ للتجارب المعيشة للإنسان، تلك التي تتبلور فيها قراراته في بداية شبابه، وهناك يصبح العمل محاولةً كبرى لإثبات الذات، والشعور بالقيمة، والحصول على الاعتراف الاجتماعي من الآخرين. وقد تناول هذه الفكرة -برأيي- بتبسيطٍ لا يسمح به عمقُ الموضوع وتعقيده. وأظنّ أن كتابه "قلق السعي إلى المكانة" -وهو الكتاب الذي شجّعني على قراءة بقية أعماله- قد تناول مسألة القلق الاجتماعيّ والأسئلة الوجودية التي تقف خلف أعمالنا بشكل أكثر منهجيةً ودقة.
يريد الكتاب أن يقول في نهايته: إذا استبعدنا الجانب الاقتصادي في تفسير العمل من الصورة، فالعمل وسيلةٌ ممتازة لشَغل أذهاننا ومنحنا أهدافًا صغيرةً قابلة للتحقيق، وإشباع إحساسنا بالسيطرة والإتقان، لكنه قد يتحول إلى مَهرب من التفكير الحقيقي في أنفسنا وحياتنا، ومخاوفنا الوجودية.







Comments