فلسفة الفكاهة - تيري إيغلتون
- مريم الصّفدي

- 1 day ago
- 5 min read
ما الذي يجعل موقفًا ما مضحكًا؟ ولماذا نضحك أحيانًا على الألم أو التشوّه أو الإحراج أو الحوادث؟
وهل الفكاهة فعلٌ تحرريّ يقاوم السلطة، أم أنّ النكتةَ قد تكون مخدرًا يوهم الإنسان بالقدرة على التمرد عن طريق السخرية؟
هل الفكاهةُ أداةٌ للترابط والتضامن الاجتماعيّ والتقارب الطبقيّ؟ أم أنها قد تكون أداةً لإذلال الآخرين والسيطرة عليهم، وإعادة إنتاج النظام الاجتماعي وصياغة مبادئه؟
فلسفة الفكاهة لتيري إيغلتون هو محاولةٌ لفهم الفكاهة باعتبارها ظاهرةً فلسفيةً نفسيةً اجتماعيةً سياسية، تكشف معانيَ عميقةً عن المجتمعِ الذي يضحك، وعن الطريقة التي يصنعُ بها هذا المجتمعُ قيمَه وحدودَه وسلطته.
ومن خلال استحضار أرسطو وفرويد وجورج أورويل وبودلير وماري دوغلاس وغيرهم، يضع إيغلتون الضحك في منطقة تتقاطع فيها النفس مع المجتمع، والسلطة مع الحرية، والأخلاق مع العدوان، والألم مع المتعة.
التناقض والمفاجأة
أحد المحاور الأساسية في الكتاب هو البحث في البنية التي تجعل الشيء مضحكًا. يربط إيغلتون الفكاهة بالتناقض، والتشابه غير المتوقع، والتنافر، وانتهاك التوقعات. فالطرفة تنجح حين تقود العقل في اتجاهٍ ثم تفاجئه باتجاه آخر.
لكن إيغلتون يلفت إلى أن التناقض وحده لا يكفي؛ فالسريالية على سبيل المثال قد تجمع عناصر متناقضةً دون أن تكون مضحكة، لأن الفكاهة تحتاج إلى شيء إضافي يجعل العقل ينتقل من الارتباك إلى الاستيعاب واللذة، حيث يستحضر التعريف الفسيولوجي للضحك بوصفه نتيجةً لسلسلة من التحولات المعرفية السريعة التي تنتهي باسترخاء العقل.
تصبح الطرفة هنا شكلًا من اللعب الذهني: نحن نستمتع بالمفاجأة، وبسرعة البديهة، وبالاقتصاد اللغوي، وبالقدرة على قلب المعنى في لحظة، وانتهاك التوقعات اللفظية. ومن الطرافةِ أنّ بعض الفلاسفة اعتبرَ القافيةَ والشعر نوعًا من الفكاهة؛ لأنّ لذته نابعةٌ من جمعِ عددٍ من الكلمات والسمات غير المتوافقةِ بطريقةٍ صوتيةٍ إيقاعيّة غيرِ متوقّعة. ولذلك يرى إيغلتون أنّ من ملذات الطرفة البراعةُ الفنية للأداء، واللغةُ المختصرة، والتقلبات والمفاجآت، وتناقضُ المحتوى.
الضحك على الآخرين: ثنائيةُ التفوق والإذلال
ينتقل الكتاب من السؤال عن كيف نضحك إلى سؤالٍ أكثر إزعاجًا: على مَن نضحك؟
الضحك على التشوهات أو الأخطاء أو إذلال الآخرين وإحراجهم يرتبط بشعور الإنسان بالتفوق؛ إذ يمنحنا تعزيزًا مؤقتًا لذواتنا الهشة، فنحن نرتاح إلى رؤية ضعف الآخر لأنّ ذلك يسمح لنا -بصورة خفيّة وغير مباشرة- بالتسامح مع نقاط ضعفنا الشخصيّة.
يظهر هنا الجانب المظلم للفكاهة: ليس كل الضحك بريئًا. الضحك يمكن أن يكون تعبيرًا عن الشماتة أو الجبن أو الرغبة في إضعاف الآخر وإلغائه، وهذا الارتباط اللاواعي ما بين لذة الفكاهة والانجذاب الخفيّ إلى إحراج الآخرين أو إذلالهم، يحوّل الفكاهةَ من إحدى أكثر الصفات الإنسانية جاذبيةً إلى واحدةٍ من أسوأ صفاتها.
الفكاهةُ بوصفها مصححًا اجتماعيًا
من أكثر أفكار الكتاب إثارةً للاهتمام أن الضحك يمكن أن يؤدي وظيفةً اجتماعية وأخلاقية. فنحن نضحك على الأشخاص الذين يصبحون آليّين أو مهووسين أو جامدين، أي الذين يفشلون في التكيّف الإنسانيّ المتوقعِ مع الظروف المتغيرة.
ضمن هذا المعنى، تعمل السخريةُ مصححًا اجتماعيًا: فبدلًا من أن نقنع الناس بالوعظ المباشر، يمكن للفكاهة أن تكشف غرابةَ سلوكِهم أو جمودَه أو سخفَه، وتتيحَ لهم رؤيته من الخارج.
"تخلّصَ الرجالُ عبر الضحكِ من آثامٍ لم تقوَ المواعظُ على إصلاحها". - فرانسيس هاتشيسون
لكن هذه الوظيفة ليست إيجابيةً دائمًا؛ فالفكاهةُ تستطيع أن تقاوم المعايير الاجتماعية، لكنّها يمكن كذلك أن تعززها.
يمكن للنكتة أن تسخر من قاعدةٍ اجتماعيةٍ خاطئةٍ وتكشفَ اعتباطيتها، لكنها تستطيع أيضًا أن تعاقبَ من يخرج عن هذه القاعدةِ الاعتباطية، وتحجّمه وتُعيده إلى وضعهِ الاجتماعيّ الأول.
الفكاهة والسلطة
"السلطةُ تخشى الفكاهةَ أحيانًا؛ لأنّ النكتةَ تملكُ القدرةَ على تصغيرِ ما يبدو عظيمًا ومَهيبًا."
المنظور السياسي لفهم الفكاهة في هذا الكتاب هو الأهمّ في رأيي.
يرى إيغلتون أنّ الخوف من الضحك لم يكن نابعًا -تاريخيًا- من اعتباره عبثًا فحسب، بل من كونه فعلًا قادرًا على زعزعة الهيبة وكسر الحدود التي تفرضها السلطة. على سبيل المثال، حرّم القديس بولس التهريج، وعدّه ضربًا من الوقاحة، ونهت عنه طوائفُ دينية، ومُنع في بعض الاحتفالات الإقطاعية والولائية، بل إن بعض القديسين اعتبروا الضحك خطيئةً تستوجب كفارة الصيام، وذهب الشاعر شيلي إلى حد القول "إن التجديد الكاملَ للبشرية لن يتحقّق إلا بالتخلص من الضحك".
يرى إيغلتون أن وراء هذا العداء خوفًا أعمقَ من فقدان السيطرة؛ فالعامةُ في نظر الخطاب السلطويّ معرضون للانهيارِ والانفلات، بخلاف النبلاء والأرستقراطيين الذين يُفترض أنهم يضبطون أنفسهم جيدًا.
والفكاهة، حين تلامس موضوعاتٍٍ كبرى كالمعاناة والموت والعقاب، تستطيع أن تنتزعَ من العقوبات القضائية التي تفرضها الطبقة الحاكمة شيئًا من هيبتها، كما أن حسّ التهور واللامبالاة الذي تولّده الكوميديا يُضعف حسّ الخضوعَ والانضباط، فضلًا عن أنها تمنح الإنسان إحساسًا خادعًا بالخلود يبدّد شعوره بالضعف، وهو الشعور الذي تحتاج إليه الأنظمة الاجتماعية للمحافظة على النظام.
ولهذا يصبح الضحك سياسيًا حتى عندما لا يتحدث عن السياسة مباشرة. فمجرد تحويل موضوع جاد إلى مادة للضحك قد يكون تحديًا للترتيب الذي يفرض علينا أن نأخذ أشياءً معينةً بمنتهى الجدية.
المفارقة هنا هي أن الكوميديا يمكن أن تفعل العكس كذلك؛ فقد تحافظ على استبداد النظام من خلال إيهام الفرد بالحرية الداخلية؛ يضحك، يسخر من السلطة بممنوعاتها وتابوهاتها، يشعرُ أنه تمرّدَ وتحرّر، ثم يعود إلى الواقع مخدرًا كما كان.
الفكاهة تكشفُ اعتباطيّة المجتمع
تظهر هنا أهمية فكرة ماري دوغلاس التي يستحضرها الكتاب: "كل النكات هدامة"؛ لأنها تكشف الطابعَ التعسفيَ لبعض المعاني الاجتماعية، تلك التي نتعامل معها باعتبارها طبيعيةً وثابتةً، وهي ليست كذلك بالضرورة.
النكتة تستطيع أن تضع شيئين لا ينبغي أن يلتقيا -وفقًا لقواعد المجتمع- في سياقٍ واحد. وبذلك تكشف أن الحدود التي تفصل "المقبول" عن "الممنوع"، و"الجاد" عن "السخيف"، و"البذيء" عن "المؤدب"، ليست دائمًا حدودًا طبيعية، بل هي حدود اصطناعيةٌ يصوغها المجتمع ثم يغيرها وفق تقلباته وظروفه.
الضحك، التضامن، والعلاقات الإنسانية
الشخصُ الذي يضحكُ لا يعضّ.
فالضحكُ المتبادل يمكن أن يكون أشبهَ بنزع السلاح.
يشير الكتاب إلى أن استجابة الآخرين لفكاهتنا يمكن أن تعزز التوالد الذاتي والتبادلية في النكتة، بحيث يصبح الضحك وسيلة للتعبير عن المودة والرغبة في إسعاد الآخر.
تتّصل الفكاهة هنا بمقاومة الفردانية التنافسية التي تقوم عليها بعض التصوراتِ السياسية للمصلحة الذاتية؛ فالمشاعر والود والصلات الاجتماعية التي تنتجها الفكاهة الجيدةُ تشجّع التعاطفَ والتضامن، في حين أن الدولة التي تريد تحويل المجتمع إلى عقدٍ نفعيّ راديكاليّ قائمٍ على المصلحة الفردية، تحتاج إلى الحدّ من انتشار التعاطف، لأنه قد يقوّض مشروع الفردانية من أساسه. وهنا يستحضر إيغلتون حجة فرانسيس هاتشيسون في كتابه "Illustrations of the Moral Sense": "لا يمكن أن يدافع دعاةُ المصلحة الذاتية عن الواجباتِ الرئيسةِ للحياة البشرية، مثل الصداقة والامتنان والمودة الطبيعية والكرم والرحمة؛ وهي بالضبط تلك الروابط الإنسانية التي تستطيع الفكاهة الجيدة أن تقويها."
الفكاهة والألم: إعادة صياغة المعاناة
من أكثر المحاور إنسانيةً في الكتاب فكرةُ تحويل الألم إلى مادة للضحك.
الفكاهة في سياق الألم لا تكونُ بالضرورة هروبًا منه أو إنكارًا له. على العكس، يمكن أن تسمح للإنسان بأن يجعل الألم قابلًا للكشف والمعالجة، وأن يخلق مسافةً ضاحكةً قصيرةً بين الإنسان وبين التجربة التي آلمته. يصف إيغلتون هذه العملية بأنها التقاط للكوميديا من أعماق الألم أو الغضب أو الإهانة، مع التأكيد على أن الصدمة لا بدّ من أن تُتجاوز دون إلغائها، وأن ذلك يتطلب شجاعة وصدقًا مع النفس كبيرين.
الفكاهة في هذا السياق نوعٌ من إعادة صياغة التجربة الإنسانية، حين لا نقول إن الألم غير موجود، بل نقول إن الإنسان قادر على النظر إليه من زاويةٍ أخرى.
هل الفكاهة رذيلةٌ أم فضيلة؟
بحسب إيغلتون، لا يمكن وضع الفكاهة بسهولةٍ في خانة الخير أو الشر.
فقد تكون النكتةُ:
وسيلةً لمقاومة السلطة، أو لتنفيس الغضب دون تغيير الواقع.
أداةً لتحرير الفرد من صرامةِ الحياة، أو طريقةً لتعويده على قبولها.
وسيلةً للتقارب والتضامن، أو وسيلةً للإقصاء والسخرية من الآخر.
وسيلةً لكشف القيم الاجتماعية، أو وسيلةً لإعادة فرضها.
علاجًا للألم، أو استغلالًا لألم الآخرين.
تصحيحًا اجتماعيًا، أو إذلالًا اجتماعيًا.
تأتي عبارة إدي ووترز عن المنطق النفعيّ للفكاهة هنا دقيقةً جدًا:
"نحن نعمل من خلال الضحك وليس من أجله. الكوميديا عبارة عن دواء، لا عن قطع حلوى تمنح للجمهور لتسوس أسنانهم. يجب ألا تترك الكوميديا الجمهور في حالة من الخمولِ والجبنِ واللاتحدي.
خلاصة
تكمن قوة الكتاب الأساسية في أنك لا ترى الضحك -بعد قراءته- حدثًا بسيطًا.
وراء الضحكِ شعورٌ خفيّ بالتفوق، أو بالخزي المرتبك، أو رغبةٌ في الانتماء، أو مقاومةٌ للسلطة، أو خوفٌ من الموت، أو محاولةٌ للتكيف مع عبث العالم، أو حتى رغبةٌ في النجاة من الألم.
إنّه نافذةٌ على التناقضات التي تحكم وجودنا؛ إذ تكشف الهوة بين ما نعتقد أننا عليه وما نحن عليه بالفعل، وبين القيم المثالية التي نعلنُها والضعف البشري الذي نعجز عن مواجهته أو التخلّصِ منه.
لذلك يمكن تلخيص أطروحة الكتاب في مفارقة واحدة:
الفكاهة تحرّرنا من جديةِ العالم، لكنها في الوقتِ ذاته تكشف لنا شيئًا جادًا جدًا عن هذا العالم،
وعن أنفسنا في المقامِ الأول. ****






Comments