دنسكو - غازي القصيبي

إذا جرّبتَ أن تعمل في مؤسّسةٍ ضخمة، لكنها تافهة، فستعجبك هذه الرواية.
وإذا لم تجرّب أن تعمل في مؤسّسة ضخمة، لكنها تافهة، فستصدمكَ هذه الرواية.
"دنسكو" اسمٌ وهميّ يشير في رواية غازي القصيبي إلى منظّمة دولية خيالية تسمى بالإنجليزية:
Department of Archeology, Nature, Sociology, Knowledge, and Organization.
إدارة الآثار، والطبيعة، والاجتماع، والمعرفة، والتنظيم.
واسمها المختصر: DANSKO.
وقد تتساءل حين تقرأ الاسم الطويل: هل ثمة إدارةٌ في الدنيا تضطلع بكل هذه الاختصاصات العريضة الفضفاضة؟ والإجابة تتضح لك حين تعود إلى الفكرة الأساس من هذه الرواية الساخرة: إذ ليس يضطلع بهذه العناوين الضخمة ولا يدقّ على صدره في سبيلها ولا يدّعي حلَّ جلِّ مشكلاتها إلا مؤسّساتٌ ضخمة، لكنها تافهة.
تافهة؛ لأنّها ملأى بالكلام البرّاق المنمّق، الذي لا يخفي وراءه شيئًا. ملأى بالمسمّيات الوظيفية اللامعة، والهياكل التراتبية المعقّدة، والشواغر الإداريّة التي تظهر كالسحر، وسرعان ما يملؤها الفراغُ نفسه. وملأى بكل شيء وبأيّ شيء، إلا بالعمل الذي تدّعيه. ففي الرواية يأخذنا القصيبي في جولةٍ داخل عقلية وأجندات الهراء البيّن الذي يحكم كثيرًا من هذه المؤسسات الكبرى: "مؤتمر حماية النمل من الانقراض"، "معاهدة نيويورك لحماية الحضارات البدائية"، "ندوة خفض الأمية من نسبة ٦٩٪ إلى نسبة ٦٧٪ في دولة الواقواق"، "إعلان سنة ٢٠٠٢ سنة عالمية لتنظيم وترتيب الحفلات"، "جائزة غورباتشوف لترميم آثار القياصرة"، إلى آخر ذلك من الأجندات والعناوين التي يبدو لك أنّها تقول وتفعل الكثير، لكنها لا تقول في الحقيقة شيئًا ولا تفعل.
عندما يقرّر "مجلس الحكماء" في الرواية أن ينقل إدارةَ الإدارةِ إلى مديرٍ تنفيذيّ آخر، يجنّ جنون المدير التنفيذي الحاليّ، بتحريضٍ من مستشارته المتفانيةِ في سبيله إلى أعمقِ الحدود. وتبدأ الصراعات الداخلية والتآمرات الخارجية، ونرى عبر الأحداث كيف يمكن لخيوط المشهد أن تنتسج بغرابة، تتدخل فيها معطياتٌ وأيادٍ خفيّة، ولاعبونَ كثر تتقاطعُ مصالحهم، ثمّ تتضارب، ثمّ تختفي. والمدير التنفيذيّ، متخبطٌ داخل لعنة التناقضات التي تحلُّ عليه بسبب هذه السلطة؛ بين نرجسيّةٍ غير عاديةٍ منحتها إياه هذه الإدارة الطويلة العريضة بامتيازاتها، وبين رغبةٍ -يدّعيها- بالراحةِ والانفكاك عن هذه المسؤولية التي تنوء بحملها الجبال، وبين تشبّثٍ بها وغيرةٍ عليها من مديرٍ آخرَ غيرِ مؤهّل، يستحوذ على منصبه ويُفسد إرثه من الإنجازات فيه.
المنظومة نفسها التي أنشأت هذا العبث، مضروبة: موظفون ومبتعثون برواتب ضخمةٍ بلا فائدة، مستشارون ومستشاراتٌ يلعبون لعبة الفساد باحترافٍ في سبيل الترقيات وأشياء أخرى، مؤسّساتٌ فرعيّة بلا عددٍ وبلا هيكلة ولا تنظيم، مصروفاتٌ وميزانياتٌ تبدّد في الهواء وبجرّة قلم، مرشّحون جددٌ لمنصبِ الإدارة، يكتبهم القصيبي في الرواية بطريقةٍ كاريكاتيرية مغرقة في الآليّة؛ فواحدٌ لا يتحدّث إلا بلغة الأرقام الجامدة التي لا صلةَ لها بروح المؤسسة وعراقتها وأهدافها العظمى، وآخر لا يجيد من الدنيا شيئًا إلا الشعرَ والشعارات التي عفى عليها الزمن، فأبقى أصحابها في أماكنهم متفرّجين على لعبة الحياة، وثالث لا يفهم إلا لغة القوة والسلطة والنفوذ، فينوي إدارة الإدارةِ بقبضة من حديد؛ ليتدرب ويتسلى عليها قبل الترشّح لرئاسة الدولة، ورابع لا يدرك مكانه ولا زمانه ولا سببَ ترشحه ولا ترشيحه، ولا يعرف حتّى ضرورةَ أن يكون له برنامج انتخابيّ، إنه هناك فقط، لسببٍ ما.
أحداثٌ تموج بك في سيناريوهات وحواراتٍ واقعيّة حدَّ الضحك، على شخصياتٍ نصادفها في حياتنا وأعمالنا كل يوم. مسرحيّةٌ كاملة تتكرر من العبث والفوضى، والواجهات الكبيرة البرّاقة التي تخفي وراءها حظوظًا كثيرةً لنفوسٍ دنيئة.
في الرواية إدانةٌ ضمنيّةٌ -وواضحةٌ في بعض المواضع- لحقيقة الفسادِ في كثيرٍ من المؤسسات والمنظمات عالميةً ودوليةً كانت أم محليّةً أو حزبية. فالنتيجة التي تخرج بها من الحكايةِ هي أنّ الطريق إلى المناصب والإدارات من كبيرها إلى صغيرها حُفّ -في الدنيا كلها- بالتواطؤ ونصبِ الأفخاخ والكذب والابتزاز، بالتلاعب وألعاب القوى النفسية، بالتشويه المتعمّد في الكواليس، وبالتسخيفِ المُمنهج التدريجيّ لكلّ ما يمكنُ أن يكونَ له قيمةٌ أو معنى.
في نهاية الروايةِ صدمةٌ مغلّفةٌ بغلافِ البداهة. ربما لن تحزرَ الذي سيفوز بإدارة المنظّمة في نهاية المطاف، لكنّك رغم ذلك لن تندهش كثيرًا، بعد أن خضتَ الرحلة المضطربةَ التي قادت -بطبيعةِ الحال- إلى نتيجةٍ أكثر اضطرابًا.
رواية، أو "مسرواية" ممتعة، كما كُتب عنها: "تذكّرنا بتجارب توفيق الحكيم الجامعةِ بين الحوار المسرحي والسرد الروائي، أو بالاصطلاح (المسرواية)."
***







Comments