top of page
Leaves Shadows

سجونٌ نختار أن نحيا فيها - دوريس ليسينغ

Writer: مريم الصّفدي
مريم الصّفدي
Sep 22
2 min read
"عقلُ المتعصّب كحدقةِ العين؛ كلّما تعرّضت لمزيدٍ من النور ازدادَ انقباضُها".  

قرأتُ "سجونٌ نختار أن نحيا فيها" لدوريس ليسينغ بشعورِ من وجدَ، أخيرًا، يدًا تحكّ له موضعًا مزعجًا لا يستطيع بلوغه بنفسه.


هل ندركُ حدودَ السجون الفكريّة التي قد نعيش داخلها طوال حياتنا، طوعًا؟ وكم من هذه السجونِ نطمئنّ إلى جدرانها وقضبانها، حتى نحسبَها حدودًا للعالم بأسره؟ 


في خمس محاضرات ألقتها عام 1985، تتناول ليسينغ الإقصاءَ والانقسام الاجتماعيين، والتعصّب الفكري، وعقلَ الجماعة حين يتحجّر، وقدرتنا على فهم سلوكنا الفردي ضمن المجموع، تشرحُ المحاضراتُ مفارقةَ الإنسان الذي تتّسع معارفه وتتراكم، ثم يضيق صدره بالاختلاف، ويقرأ تاريخَ العنف والتعصّبِ والدم، ثم يعيد كتابته بنفسه، بعناوينَ جديدة.

يقولُ الكتابُ:


١. إنّنا نتقدّم في المعرفة بشكلٍ تراكميّ ومكثف، لكننا لا نعكسها على أنفسنا وواقعنا. 

ترى ليسينغ أن البشر يملكون معرفة متزايدةً بالتاريخ وبأنماطِ السلوكِ الإنساني، ويعيدون -رغم ذلك- إنتاج العنف والتعصّب والكراهية والطاعة العمياء، وكأنهم لم يفهموا شيئًا ممّا يقوله التاريخ.

يدعونا تكرّر هذا النمط البائس إلى النظر في عصرنا كما قد تنظرُ إليه أجيالٌ لاحقة: ما الممارسات والمقولاتُ التي نعدّها الآنَ طبيعيةً أو بدهيةً، وسيقفُ أمامها الذين لم يولدوا بعد، ليتعجّبوا من وحشيّتها أو عبثها، ويسائلوا عقلانيّتها ومنطقَها؟


٢. يقيننا بأنّ جماعتنا تمتلك الحقيقةَ المُطلقةَ يبرّر لنا إقصاء الآخرين.

تتناول الكاتبة ظاهرةَ ميلِنا إلى تقسيم العالم إلى فريقين: نحنُ أصحاب الحقيقةِ الأخيار "النّاجون"، وهم الأشرار أو المضلَّلون "الملعونون". حين يصبح هذا الاعتقاد جزءًا مغلقًا لا يُساءَل من هويّة الجماعة، يُعامَل المختلِف من خارج الجماعةِ بوصفه عدوًّا، ويُعامَل المعترض من داخل الجماعة على أنّه خائنٌ أو محرِّض. 


٣. أفكارنا تتشكّلُ وتشكّلنا دون أن نشعر.

تناقش ليسينغ وسائل التأثير والتلاعب في العقول، من غسلِ الدماغ المُكثّف داخل نطاقِ الأسرةِ إلى الدعايةِ السياسيّة والتجارية العالميّة. وتلفت إلى أن الانفعالاتِ الجماعية وأساليب التأثير الإعلامية قد توجّه آراءنا ومواقفنا، بينما نشعر بأننا اخترناها وحدنا، واتفقنا معها بلا ضغطٍ ولا مؤثراتٍ خارجيّة.


٤. استقلال الرأي أصعب مما نتخيّل.

نحبّ أن نعتقدَ بكوننا أفرادًا مستقلين، وأن نقنعَ الآخرين بكوننا كذلك، بل أن نرميَ المخالف لنا بتهمةِ الغباء والاتباع الأعمى، لكن مخالفة جماعةٍ ننتمي إليها يمكن أن تكون ضغطًا شديدًا خفيًا ومُعلنًا، يجعل الاستقلال خيارًا مُحتاجًا إلى تضحياتٍ حقيقيّة بعض الأحيان. تشدّد ليسنج هنا على ضرورة فهم سيكولوجية الجماعات، وتعليم الناس آليّة عملِ الامتثال والطاعة ضمنَ ديناميكيات الجماعة الواحدة؛ إذ إنّ التصالحَ مع فكرة قابليتنا للتأثّر تمنحنا فرصةً أكبر لالتقاطِ ورصدِ اللحظة التي نتخلّى فيها عن رأيِنا الشخصيّ، وحُكمنا النقديّ الخاص. 


٥. التغيير ممكنٌ بتعلّم الأدب والتاريخ، وبقراءة الذات.

رغم اليأس الذي يخيّم على معظم أفكارِ الكتاب، تُبقي ليسينغ بابًا مواربًا للأمل؛ فالأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية أدواتٌ طورتها البشريةُ لفهم أنماط السلوك المتكرّرة، وتوسيعِ المنظور الذي نرتاحُ إلى استدعائه لمقاربةِ المسائل الاجتماعية والسياسيّة المختلفة. إنّ المحاولةَ الصادقة المتجرّدة لفهمِ أنفسِنا وفهمِ السلوك الإنسانيّ بالعموم، قد تعيننا على رؤية القضبان التي ألفناها، ورصدِ والتقاطِ تلك اللحظة التي نسلّم فيها حكمنا الشخصيّ للمجموع.

 

ربما نقفُ على عتبةِ الحرية، حين نخطو نحوَها فوق هذا الاعتراف الصعب: نحن -في معظم الأحيان- متأثّرون، وبعض أشدّ أفكارنا رسوخًا يستحقّ منّا أن نتوقّف عندَه ونسأل: "كيف وصلَ هذا اليقينُ إليّ، وهل يستحقّ أن يستقرّ عندي؟" 



***




1 Comment


israaalmutasem
Oct 08

شكراً على الترشيح الجميل، كتاب مخيف في واقعيته، ولكن السؤال؛ إلى أي حد تطلب الكاتبة أن ننسلخ عن شعاراتنا وقضايانا فقط لأنها ستنسى أو يتغير المنظور إليها بعد سنوات وعقود؟ الإنسان ابن يومه وليس ابن غده، ولو كنت مع الكاتبة في نقاشية لكتابها لسألت إذاً متى يكون الفكر ومتى يعيش الإنسان قضيته؟؟

Like

© 2024 by Mariam Safadi. 

bottom of page